السيد محمود الشاهرودي
40
نتائج الأفكار في الأصول
إذا عرفت حقيقة الوضع يقع الكلام في الواضع ، وأنه هو اللّه تعالى شأنه أو المخلوق أو كلاهما ، ذهب إلى كل منها فريق . وربما يستدل للأول : بعدم تناهي المعاني ، وعدم إحاطة أحد بهما إلّا اللّه تعالى ، فليس للمخلوق إحاطة بها حتى يضع لها ألفاظا . وبقوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . . « 1 » الخ ، بتقريب أن تعليم الشيء فرع وجود ذلك الشيء ، فالوضع لجميع اللغات كان ثابتا حين تعليمه سبحانه وتعالى آدم عليه السّلام ، ولم يكن في ذلك الوقت مخلوق غيره حتى يستند وضع الألفاظ واللغات إليه ، فلا جرم يكون الواضع هو اللّه تعالى . وكلاهما مدفوع : أما الأول : فلكون المعاني الكلّيّة متناهية ، وعلى تقدير تسليم عدم تناهيها ، فلمّا كان الابتلاء بها تدريجا يمكن أن يضع المخلوق لمعنى يبتلى به لفظا وهكذا . وأما الثاني : فلأن المراد بالأسماء هو المسميات لبعض القرائن الموجودة في الآية المباركة ، كقوله تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ، إذ على تقدير كون الأسماء بظاهرها مرادا يلزم أن يقول عرضها لا عرضهم كما هو واضح . فالحقّ : أن الواضع هو المخلوق لقوّة مدركة أودعها خالق الأشياء في نفوس العباد ، يضعون بها الألفاظ للمعاني كما هو المحسوس في الأطفال ، فإنهم يضعون بعض الألفاظ للمعاني ، كما يصنعون بعض الصنائع كالتليفون والراديو وغيرهما ، فإن جميع ذلك يكون لقوة أودعها اللّه تبارك وتعالى في عباده .
--> ( 1 ) سورة البقرة / آية 31 .